الشيخ الطبرسي

385

تفسير مجمع البيان

هذا المعنى . وأنه قد عرف آخذ الميثاق ، وأن الله قد أخذه . وحجة النصب في ( كلا وعد الله الحسنى ) بين ، لأنه بمنزلة زيدا وعدت خيرا . وحجة ابن عامر أن الفعل إذا تقدم عليه مفعوله ، لم يقو عمله في قوته إذا تأخر . ألا ترى أنهم قالوا في الشعر ( 1 ) : زيد ضربت . ولو تأخر المفعول فوقع بعد الفاعل ، لم يجز ذلك فيه . ومما جاء من ذلك في الشعر ، قوله : قد أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنبا كله لم أصنع فرووه بالرفع لتقدمه على الفعل ، وإن لم يكن شئ يمنع من تسلط الفعل عليه ، فكذلك قوله ( وكل وعد الله الحسنى ) يكون على إرادة الهاء وحذفها ، كما يحذف من الصفات والصلات . المعنى : ثم خاطب سبحانه المكلفين فقال : ( آمنوا بالله ) معاشر العقلاء أي صدقوا الله ، وأقروا بوحدانيته ، وإخلاص العبادة له ( ورسوله ) أي وصدقوا رسوله ، واعترفوا بنبوته . ( وأنفقوا ) في طاعة الله ، والوجوه التي أمركم بالإنفاق فيها . ( مما جعلكم مستخلفين فيه ) أي من المال الذي استخلفكم الله فيه بوراثتكم إياه عمن قبلكم ، عن الحسن . ونبه سبحانه بهذا على أن ما في أيدينا يصير لغيرنا ، كما صار إلينا ممن قبلنا ، وحثنا على استيفاء الحظ منه قبل أن يصير ( 2 ) لغيرنا . ثم بين سبحانه ما يكافيهم على ذلك إذا فعلوه فقال : ( فالذين آمنوا منكم ) بالله ورسوله ( وأنفقوا ) في سبيله ( لهم أجر كبير ) أي جزاء ، وثواب عظيم دائم لا يشوبه كدر ولا تنغيص ، ثم وبخهم سبحانه فقال : ( وما لكم لا تؤمنون بالله ) أي : وأي شئ يمنعكم من الإيمان بالله ، مع وضوح الدلائل على وحدانيته . ( والرسول يدعوكم ) إلى ما ركب الله في عقولكم ، من معرفة الصانع وصفاته ( لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم ) بما أودع الله في قلوبكم من دلالات العقل الموصلة إلى الإيمان به ، فإن الميثاق هو الأمر المؤكد الذي يجب العمل به . ( إن كنتم مؤمنين ) أي : إن كنتم مصدقين بحق ، فالآن فقد ظهرت أعلامه ، ووضحت براهينه . والمعنى : أي عذر لكم في ترك الإيمان ، وقد أزاحت ( 3 ) العلل ،

--> ( 1 ) ليس في بعض النسخ لفظة : ( في الشعر ) . ( 2 ) في نسخة : ( يصير الأمر لغيرنا ) . ( 3 ) في نسختين : ( وقد انزاحت ) .